Latest

المعمارى سنان باشا

يعد المعماري سنان باشا أبرز وأشهر البناءين المسلمين في القرن السادس عشر الميلادي، سواء في الدولة العثمانية أو على مستوى العالم الإسلامي؛ فقد تميّزت أعماله البنائية والمعمارية بالكثرة والقوة والمتانة والضخامة المصحوبة أيضا بمظاهر من الجمال والرّوعة، ومن ثم فقد أطلق عليه الأتراك لقب “أبو العمارة التركية”.


ولد سنان باشا في عام 1489م في إحدى قرى الأناضول التركي من عائلة مسيحية، ولأن طموحه كان عاليا جدا فقد التحق بالجيش العثماني، ليحصل على فرصة للتعليم والحصول على وظيفة كبيرة في الدولة، شارك في الغزوات الحربية التي قام بها السلطان بايزيد الثاني، وتدرّج في عدة وظائف عسكرية خلال حكم السلطان سليم الأول (1512-1520م).

شهد عصر سليم الأول حصول سنان على مكانة كبيرة داخل الجيش؛ نتيجة جهوده في وضع تصميمات البناء لمراكز وتجمعات الجيش العثماني وإنشاء الجسور والقلاع والحصون الحربية.. على أن تفوّقه وبروزه المعماري جاء خلال فترة حكم السلطان سليمان القانوني (1520-1566م) الذي عُرف عصره بالعصر الذهبي للدولة العثمانية.

تأثر المعماري سنان باشا بما يدور حوله من أمور وأحداث تتعلق بكافة الميادين، ومنها بالطبع فن العمارة.و التحق سِنان باشا بالمدرسة العسكرية في إستانبول، وتخرّج فيها. وبما أن سِنان باشا قد صحب السلطان سليمان القانوني في فتوحاته الأوروبية بمنطقة البلقان، باعتباره مهندسا عسكريا، فقد توفرت لسنِان فرصة الاطلاع على العمائر الأوروبية التي عرف عنها تميزها بالضخامة والاهتمام بالزينة والزخرف.

أمّا الجانب أو المؤثر التركي في مدرسته البنائية والمعمارية، فقد تفتحت عينا المعماري سنان في الأناضول على رؤية العمائر السلجوقية التي لا يخلو موقع في مناطق الأناضول من وجودها. وإذا كان سنان باشا قد تأثر بفكرة العمائر الضخمة والعالية الارتفاع عند زيارته لأوروبا، فإنه أخذ جانب العمارة الشاملة بمفهومها الإسلامي من المدرسة المعمارية السلجوقية.

هناك أيضا مؤثر ثالث في الفكر البنائي المعماري لسنان باشا وهو كنيسة “آيا صوفيا” بإستانبول، التي تحوّلت لجامع إسلامي بعد فتح السلطان محمد الفاتح للقسطنطينية في عام 1453م. ومن آيا صوفيا أخذ سنان فكرة العمل المعماري الديني الضخم، الذي ترسخ في ذهنه بتمعنه ونظراته الطويلة لآيا صوفيا.

نشأ المعماري سنان باشا في رحاب هذا الجامع الضخم، حيث اطلع سِنان باشا على تفاصيل هذا البناء وجلس داخله ساعات طويلة، بل أياما وهو يدرس خريطة بنائه وعمارته. وعلى الرغم من العظمة والجمال الذين يكتنفهما نموذج كنيسة آيا صوفيا، فإن سِنان باشا أراد البروز والتفوّق على هذا النموذج البيزنطي، فجاء جامع السليمانية الذي شَرع سِنان باشا في بنائه وهو في عمر الستين تقريباً عام 1550م، وبناء على تعليمات السلطان سليمان القانوني مثلما هي العادة عند السلاطين العثمانيين. افتتح جامع السليمانية للصلاة في يوم 7 يونيو عام 1557م، ويعد أهم وأشهر الأعمال المعمارية في تاريخ العمارة الدينية التركية والإسلامية.

لم يأت العمل الرائع تقليدا لآيا صوفيا وإن شابهه من حيث القبة المركزية والطابق العلوي الداخلي والضخامة، وإنما تفوقه عليها بقبته المركزية الظريفة، المستندة أيضا لأربعة أعمدة ضخمة، وبمآذنه الأربعة العالية، والقباب النصفية المشكّلة لسطح الجامع، وكذا محراب الصلاة الواسع والرّحب. صممت النوافذ والفتحات بشكل وبأعداد كثيرة تسمح بمرور الضوء لصحن وجوانب الجامع في سهولة ويسر.

وبعد حياة حافلة توفي المعماري سنان في عام 1580م بعد عمر طويل اقترب من قرن من الزمان؛ وهو الأمر الذي ساعده كثيراً على إنجاز العديد من الأعمال المعمارية والبنائية الضخمة والشهيرة من أهمها جوامع: الفاتح، والسليمانية، ونور عثمانية، وشَهزاده (إستانبول)، والسليمية (إدرنه)، وجامع خسرويه بحلب.