Latest

عبد الوهاب والقصيدة الغنائية

عبد الوهاب والقصيدة الغنائية

شاءت الظروف ان يتولى المسيقار العربي محمد عبد الوهاب مهمة اطلاق فن القصيدة العربية من قمم التقليد الكلاسيكي، الذي تسلمه من جيل الاسلاف، وتسليمه للاجيال التالية من المبدعين العرب فنا حديثا ذا آفاق لا حدود لها. ان اختفاء فن القصيدة الغنائية في النشاط الواسع المحموم الذي اطلقه سيد درويش في ثورته التجديدية العارمة، ظاهرة نادرا ما لاقت الاهتمام الذي تستحقه، بل لا نكاد نجد لها ذكرا لدى مؤرخي ونقاد المسيقى العربية، وهي حتما ظاهرة ذات اسباب موضوعية عامة واخرى ذاتية متعلقة بمكونات وعناصر الشخصية الفنية لسيد درويش، الامر الذي يستحق دراسة مطولة تتجاوز مجرد الاشارة العابرة.
فاذا تجاوزنا ذلك الى دور محمد عبد الوهاب الرائد والمؤسس في هذا المجال، فاننا نشير الى اكثر من مكون في حياة محمد عبد الوهاب دفعه الى اتخاذ فن القصيدة الغنائية منصة اساسية لاطلاق اهم مجهوداته في تطوير الموسيقى العربية وخدمتها.
من المؤكد ان عدة عوامل ادت الى هذه العلاقة الخاصة بين محمد عبد الوهاب واللغة العربية الفصحى، يمكن اجمالها بما يلي:
1- نشأة محمد عبد الوهاب في كنف عائلة مسؤولة عن جامع حي باب الشعرية الذي ولد في محيطه وشهد ترعرعه ونشأته الاولى.
2- التبني المبكر لامير الشعراء احمد شوقي لمحمد عبد الوهاب وهو فتى دون الخامسة عشر من عمره وملازمته اليومية له في السنوات الثماني الاخيرة من حياة احمد شوقي.
3- بعد رحيل احمد شوقي، في عام 1932، قام عبد الوهاب بمواصلة نسج علاقاته بالوسط الثقافي الاعلى في مصر وذلك عن طريق صالون روز اليوسف حيث اكمل التعرف على كبار ادباء مصر كالعقاد والمازني، الذين كانت عدواتهم الادبية لاحمد شوقي تحرمه من الاقتراب منهم.
وفي هذه الفترة وبعد ان لمع نجم محمد عبد الوهاب ليس فقط كملحن ومطرب اول بل كرائد جريء من رواد التجديد، توثقت علاقاته بالجيل الجديد من الشعراء امثال بشارة الخوري (الاخطل الصغير) في لبنان، وكامل الشناوي وعلى محمود طه واحمد فتحي ومحمود حسن اسماعيل وصالح جودت وصولا الى نزار قباني.
ما احوجنا في هذه الايام الى العودة الى محطات محمد عبد الوهاب عودة الدارس المدقق، لنواصل العمل من النقطة بل النقاط التي انجزها لنا هذا العملاق الموسيقي بدل ان نخبط خبط عشوائي في القصيدة وغير القصيدة، في محاولات قاصرة تنطلف كلها من الصفر، كأننا لا نتمي الى اي مكان او اي زمان…..